الشوكاني
176
فتح القدير
وقد مضى تفسير هذا في سورة آل عمران . ثم وصف سبحانه تلك الجنة بصفة أخرى فقال ( أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ) ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة . وفي هذا دليل على أن استحقاق الجنة يكون بمجرد الإيمان بالله ورسله ، ولكن هذا مقيد بالأدلة الدالة على أنه لا يستحقها إلا من عمل بما فرض الله عليه واجتنب ما نهاه الله عنه ، وهي أدلة كثيرة في الكتاب والسنة ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى وعد به سبحانه من المغفرة والجنة ، وهو مبتدأ وخبره ( فضل الله يؤتيه من يشاء ) أي يعطيه من يشاء إلا إعطاءه إياه تفضلا وإحسانا ( والله ذو الفضل العظيم ) فهو يتفضل على من يشاء بما يشاء ، لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع ، والخير كله بيده ، وهو الكريم المطلق والجواد الذي لا يبخل . ثم بين سبحانه أن ما يصاب به العباد من المصائب قد سبق بذلك قضاؤه وقدره وثبت في أم الكتاب فقال ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ) من قحط مطر وضعف نبات ونقص ثمار . قال مقاتل : القحط وقلة النبات والثمار ، وقيل الجوائح في الزرع ( ولا في أنفسكم ) قال قتادة : بالأوصاب والأسقام . وقال مقاتل : إقامة الحدود . وقال ابن جريج : ضيق المعاش ( إلا في كتاب ) في محل نصب على الحال من مصيبة : أي إلا حال كونها مكتوبة في كتاب ، وهو اللوح المحفوظ ، وجملة ( من قبل أن نبرأها ) في محل جر صفة لكتاب ، والضمير في نبرأها عائد إلى المصيبة ، أو إلى الأنفس ، أو إلى الأرض ، أو إلى جميع ذلك ، ومعنى " نبرأها " نخلقها ( إن ذلك على الله يسير ) أي أن إثباتها في الكتاب على كثرته على الله يسير غير عسير ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ) أي اختبرناكم بذلك لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا ( ولا تفرحوا بما آتاكم ) منها : أي أعطاكم منها ، فإن ذلك يزول عن قريب ، وكل زائل عن قريب لا يستحق أن يفرح بحصوله ولا يحزن على فواته ، ومع أن الكل بقضاء الله وقدره ، فلن يعدو امرأ ما كتب له ، وما كان حصوله كائنا لا محالة فليس بمستحق للفرح بحصوله ولا للحزن على فوته ، قيل والحزن والفرح المنهى عنهما هما اللذان يتعدى فيهما إلى ما لا يجوز ، وإلا فليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح . قرأ الجمهور " بما آتاكم " بالمد : أي أعطاكم ، وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو بالقصر : أي جاءكم ، واختار القراءة الأولى أبو حاتم ، واختار القراءة الثانية أبو عبيد ( والله لا يحب كل مختال فخور ) : أي لا يحب من اتصف بهاتين الصفتين وهما الاختيال والافتخار ، قيل هو ذم للفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر ، وقيل إن من فرح بالحظوظ الدنيوية وعظمت في نفسه اختال وافتخر بها ، وقيل المختال الذي ينظر إلى نفسه ، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاستحقار . والأولى تفسير هاتين الصفتين بمعناهما الشرعي ثم اللغوي ، فمن حصلتا فيه فهو الذي لا يحبه الله ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) الموصول في محل رفع بالابتداء ، وهو كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله ، والخبر مقدر : أي الذين يبخلون فالله غني عنهم ، ويدل على ذلك قوله ( ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) وقيل الموصول في محل جر بدل من مختال ، وهو بعيد ، فإن هذا البخل بما في اليد وأمر الناس بالبخل ليس هو معنى المختال الفخور ، لا لغة ولا شرعا . وقيل هو في محل جر نعت له ، وهو أيضا بعيد . قال سعيد بن جبير : الذين يبخلون بالعلم ويأمرون الناس بالبخل به لئلا يعلموا الناس شيئا . وقال زيد بن أسلم : إنه البخل بأداء حق الله ، وقيل إنه البخل بالصدقة ، وقال طاووس : إنه البخل بما في يديه ، وقيل أراد رؤساء اليهود الذين بخلوا بيان صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتبهم لئلا يؤمن به الناس فتذهب مآكلهم قال السدي والكلبي : قرأ الجمهور " بالبخل " بضم الباء وسكون الخاء . وقرأ أنس وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وحميد وابن حميصن وحمزة والكسائي بفتحتين ،